الطلاق الصامت !


الطلاق الصامت !



رؤى الخبر  – بقلم : مها الخرمي 

عندما تستحيل الحياة الزوجية بين الزوجين ويعتذر استمرارها وتسد ابواب الوفاق بينهما ، هنا يبرز الطلاق بإحسان كحل ليس منه مفر وان كان بغيظاً بحله ، ويأتي بعد فشل كل محاولات الترميم والإصلاح وتقريب وجهات النظر ، وحين يتم الطلاق في جو من الإحترام المتبادل والفهم العميق لمعناه الحقيقي فإن تداعياتة ستكون أخف وطأة على نفس الزوجين والاطفال وهو مايٌطلق علية مجازاً ”الطلاق الناجح ” مصداقآ لقول الله سبحانه وتعالى { وإن يتفرّقا يٌغْنِ الله كٌلاً مِن سَعَتِهِ وكانَ الله واسِعاً حَكِيماً}  ؛ فعلى الزوج والزوجة ان يدركا أن الطلاق ليس نهاية العالم ، كما قد توحي بذلك ثقافة المجتمع التي قد تكون -مع الأسف -أشد ألماً على نفسيهما أكثر من الطلاق نفسه! لكن هناك نوع من الطلاق يتم بصمت وخلف الكواليس المظلمة وبين جدران معتمة مخيفة وهو مايعرف مجازاً  بالطلاق الصامت وهو حالة نشأت في مجتمعاتنا مؤخراً وهي أخطر وأشدٌّ فتكاً على الأسرة من الطلاق الفعلي، بل يبقى عقد الزواج ساري المفعول بين الزوجين ، ولكن كلا ًمنهما يعيش بمعزل عن الآخر ، وتأتي هذه الحالة عند غياب المحبة والرحمة والمودة التي تٌبنى عليها البيوت ، فتنزع هذه الخِصال الحميدة من قلوب الزوجين ؛ ولايبقى لهما إلا واجب التواجد سوياً ، خوفاً من لقب مٌطلِّق أو مٌطلَّقة (خصوصاً الزوجة) وخوفها من لقب المُطلَّقة ، وذلك لنظرة مجتمعنا القاصِرة للمطلَّقات ؛ هذه الحالة قد لايعرف عنها احد غيرهما، أمام الجميع يكونان وكأنهما اكثر حبيبين وهياماً ببعضهما، ولكن في خلوتهما : يخلعان قناع العائلة ويعودان إلى وجه الفراق القبيح. 

الطلاق الصامت هو نهاية غير رسمية للعلاقة الزوجية؛ والتي تنعدم فيها ملامح التواصل بينهما والكلام والعلاقة الزوجية التي تزيد من المودة وتقرب القلوب حتى يصبح هناك تبلد في المشاعر لدرجة تنعدم  الغيرة لدى احد الطرفين أو كلاهما ؛ وهي المحرك الرئيسي للحياة الزوجية والدليل القاطع على وجود الحب بينهما يصبح الزوجان في هذه الحالة جيران في بيت واحد ، تشبيه للحياة الزوجية بينهما هي مثل الميت-الحي ،( بيت ورجل وإمرأة يعيشان تحت سقف واحد فقط) وفقط هذه هي المٌعضِلة، جسد بلا روح ونبات بلا ثمار يتحول السقف هذا لمسرحية درامية موغلة حد الألم يستمر عرضهاً يومياً دون ان تكون لها نهاية يستدل بعدها الستار ، لذلك نجد أن كل الأشخاص فيها متعبون منهكون لاهثو الأنفاس يحاولون التماسك وإظهار الصمود بينما نفسايتهم في الواقع تنهار بشكل مؤلم ومخيف ،فالطلاق الصامت إشكاليته ليست بالفتور العاطفي فحسب ، ولكن بالعيش في حياة شبه منتهية من أجل مظهر إجتماعي معين او من أجل الحفاظ على الاطفال من التشتت او لعدم وجود عائل للمرأة غير الزوج ، او لأنها تفضل الاستمرار في كونها زوجة على ان تحمل لقب (مطلقة)!؟
ومن مظاهر ”الطلاق الصامت” انعدام التحاور والتفاهم بينهما وتراكم المشكلات دون حلها وعلاجها عدم وجود مشاعر حب وانعدامها وسيطرة العناد عليهما ، عدم تقديم تنازلات في الحالات التي تستدعى ذالك ، وتعمد إهانة الطرف الاخر بشكل دايم ،والسلبية واللامبالاة بالاهتمام بالطرف الآخر، وعدم تحمُّل المسؤولية، وخاصة تربية الأولاد من أحد الطرفين، وكثرة الإنتقادات للتصرفات الصادرة من كل طرف تجاه الآخر ، كما أنه سبب للخيانة الزوجية، وهو أشد مرارة من الطلاق الفعلي لأن الاستنزاف النفسي فيه مؤلم وموجع للطرفين ولايمنح فرصة الحياة الكريمة لهما، بسبب مايصاحبه من الإحساس بالنقص  والوحدة والاكتئاب والغربة والظلم، كما يفتقد فيه كل طرف إحساسه بالأمان العاطفي والنفسي والإنساني وغالباً الأطفال هم مَن يدفعون ثمن الطلاق الصامت لأنهم عرضة لتنفيس المشاعر السلبية عليهم، ومن هنا يعاني معظم أطفال الطلاق الصامت اضطراب الشخصية والإنحراف السلوكي والعدواني ومن هنا يتضح ان الطلاق الصامت جريمة ضحاياها أناس أبرياء، قد يكون سببه الأهل حين لايساندون ابنتهم، أو الزوجين حين يفضلان بناء جدار مؤلم صلب يحول بينهما وبين مواجهة وضعهما الزوجي المتعثر، لكن يظل المجتمع مسؤولا ًحين يتجاهل هذه الظاهرة الموجعة رغم إفرازاتها التي ستثقل مؤسساته فيما بعد وأصحاب الاختصاص من علم الاجتماع والنفس، والإعلاميون، والباحثون، والمثقفون، والدعاة، مسؤولون كذلك حين لا يقفوا وقفة جادة أمام هذه الظاهرة التي تؤدي بالأسرة إلى التخبط والانحراف والتمزق عن المقصد الحقيقي للزواج وهو المودة والرحمة والسكن والعيش بكرامة واحترام وأمان.


1 التعليقات

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*